ابن المقفع

60

آثار ابن المقفع

حتى يبلوه « 1 » ويختبره وينظر هل يراه موضعا لإطلاعه على سره . فلم يزل يبحث عن ذات نفسه حتى وثق به وعرف أنه لما استودع من السر موضع ، وفيما طلب منه مجمل ، وبما سئل مشفع « 2 » وفيما استعان به عليه مجتهد فازداد له إلطافا . وكان إلى ذلك اليوم الذي رجا أن يكون قد بلغ فيه حاجته قد أعظم النفقة مع طول الغيبة في استلطاف الأصدقاء ومجالستهم على الطعام ومنادمتهم على الشراب لطلب الثقات منهم . فلم يطمئن لأحد ممن آخاه إلا لصديقه الذي ذكرناه . فلما أنس برزويه بصديقه هذا وسبر عقله حتى وثق به واطمأن إليه قال له وهما خاليان : - يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري شيئا فوق ما كتمتك فاعلم أني لأمر ما جئت بلادكم وهو غير الذي يظهر مني ، والعاقل يكتفي من الرجل بالعلامات من نظره وإشارته بيده لكي يعلم سر نفسه وما يضمر في قلبه . قال له الهندي : إني وإن لم أكن بدأتك وأخبرتك بما له جئت وإياه طلبت وإليه قصدت وإنك تكتم أمرا تطلبه وأنت مظهر غيره ، فإنه لم يكن ليخفى عني ولكني لرغبتي في إخائك كرهت أن أواجهك به فإنه قد ظهر لي ما تكتم ، وقد استبان لي ما أنت فيه وما تخفيه عني . فأما إذ فتحت الكلام فأنا مخبرك عن نفسه ومظهر لك سريرة أمرك ومعلمك حالك الذي قدمت له . فإنك قدمت بلادنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة فتذهب بها إلى بلادك لتسر بها ملكك . وكان قدومك بالمكر ومصادقتك بالخديعة ، ولكني رأيت من صبرك ومواظبتك على طلب حاجتك وتحفظك أن تسقط في طول مكثك عندنا بكلام يستدل به على سر أمرك فازددت رغبة في عقلك ، وأحببت إخاءك فلا أعلم أني

--> ( 1 ) يبلوه : يجربه يختبره . ( 2 ) مشفع : أي مقضي الحاجة .